موقع بلاد الرافدين
اهلا وسهلا بكم في موقع بلاد الرافدين نتمنى ان يعجبكم موقعنا

موقع بلاد الرافدين

موقع عربي اسلامي يتضمن كل ماهو شرعي واسلامي من الصور الاسلاميه والمواضيع الاسريه الجميله والتربويه والشعر الشعبي وجميع ماتحب من الصوتيات الحسينيه والابتهالات الاسلاميه والقرآن الكريم والادعيه
 
الرئيسيةمكتبة الصورس .و .جبحـثالأعضاءالمجموعاتالتسجيلدخول
دخول
اسم العضو:
كلمة السر:
ادخلني بشكل آلي عند زيارتي مرة اخرى: 
:: لقد نسيت كلمة السر
المواضيع الأخيرة
» سيد فاقد الموسوي باجر يزينب
السبت فبراير 16, 2013 7:01 pm من طرف انورالعراقي

» خطبة الإمام السجاد في الشام.wmv الشيخ حيدر المولى
الأحد ديسمبر 09, 2012 5:44 pm من طرف انورالعراقي

» الملا حيدر العطار (زماني رماني) أداء وقصيدة مؤثرين جدا
الأحد ديسمبر 09, 2012 5:33 pm من طرف انورالعراقي

» لا تسافر - باسم الكربلائي - رأيت الحسين 1432 ه
الأحد ديسمبر 09, 2012 5:31 pm من طرف انورالعراقي

» سيدفاقد جامع ائمة البقيع(ع)2012
الجمعة ديسمبر 07, 2012 9:46 am من طرف انورالعراقي

» سيدفاقد لطميه سريعه 2012
الجمعة ديسمبر 07, 2012 9:44 am من طرف انورالعراقي

» سيدفاقد2012
الجمعة ديسمبر 07, 2012 9:43 am من طرف انورالعراقي

» يافاطمة قومي الى الطفوف
الجمعة ديسمبر 07, 2012 9:39 am من طرف انورالعراقي

» عمار عابدين يطفلي
الجمعة ديسمبر 07, 2012 9:36 am من طرف انورالعراقي

الفيس بوك +تويتر
التبادل الاعلاني
Google PageRank Checker
قناة العربيه
عددالزوار1

شاطر | 
 

 كتاب تاريخ الغيبة الصغرى لسماحة آية الله الشهيد محمد صادق الصدر (قدس سره)

اذهب الى الأسفل 
كاتب الموضوعرسالة
محمدباقرالعبادي
المدير
المدير
avatar

ذكر عدد المساهمات : 43
تاريخ التسجيل : 27/08/2011

مُساهمةموضوع: كتاب تاريخ الغيبة الصغرى لسماحة آية الله الشهيد محمد صادق الصدر (قدس سره)   الجمعة أكتوبر 21, 2011 4:16 pm

القسم الأول

هذا الكتاب
قرن من الزمن ، على وجه التقريب .. هو الذي يحاول هذا الكتاب أن يعرض له تاريخاً وتحليلاً وتبويباً ... على ضوء سائر المصادر الإسلامية التي تعرضت لذلك، سواء في ذلك التاريخ العام ، أو التاريخ الخاص الذي انبثق عن أقلام علمائنا الأبرار .
قرن من الزمن ... حافل بروائع الأحداث وجلائل الأخطار ... انموذج فذ من القرون ... سواء على الصعيد السياسي العام من حيث ما آلت إليه الخلافة العباسية يومذاك ، من الضعف والتصدع ... أو من ناحية الأئمة ، وكيف كانوا يخوضون غمار البؤس والأخطار بكل حذق وصبر .انموذج خاص ... لا مثيل له في الدهر ، بالأسلوب الخاص الذي اتخذه الإمام المهدي (ع) في قيادة شعبه ، حال اختفائه عن مسرح الناس ، عن طريق السفراء الأمناء الذين كانوا ينقلون عنه التوجيهات ، ويقومون بالتنفيذ. قرن من الدهر ... تكفله هذا الكتاب ... ولم يكن كله متضمناً للغيبة الصغرى ... وان احتملت معظمه .... ولكن الكلام في مثل هذه الفترة الحرجة الدقيقة ، التي يكتنفها الغموض من العديد من جوانبها ، ولم تسلم من الأحكام العشوائية من عدد من الكتاب المسلمين وغيرهم .... هذه الفترة تحتاج في عرضها الأمين الدقيق .... إلى تقديم كبير ، للظروف السابقة عليها ، حتى نعرف بوضوح وتفصيل العوامل الأساسية التي أدت إليها وبلورت الأحداث فيها .

صفحة (13)

ومن ثم سار منهج هذا الكتاب ، على بيان مقدمة ، باديء ذي بدء في بيان نقاط الضعف الاساسية في تاريخنا الإسلامي... والتي تعيق الباحث عن التوصل إلى جملة مما يهمه ويؤثر في بحثه، من قضايا الإسلام والمسلمين .
ثم أعطى فكرة كافية عن تاريخ الإمامين العسكريين (ع) وهما علي بن محمد الهادي (ع) جد الإمام المهدي (ع) والحسن بن علي (ع) أبوه .... وما كان يتخذه هذان الإمامان من تدابير وما يقومان به من أعمال تجاه الدولة وتجاه قواعدهم الشعبية.حتى ما إذا حملنا من ذلك فكرة كافية ... وصلنا إلى تاريخ الغيبة الصغرى ... لنتعرف على الاتجاهات العامة والأعمال التفصيلية التي كان يقوم بها الإمام المهدي (ع) وسفراؤه وما كانت تقوم به الدولة تجاههم من أعمال ، وما كانت تتبناه من أفكار .
ومن هنا قسم هذا الكتاب إلى قسمين رئيسيين ـ أولهما: يبدأ بإشخاص الإمام الهادي (ع) إلى سامراء عام 234 إلى وفاة الإمام العسكري (ع) عام 260 ... وثانيهم : يبدأ بما انتهى به القسم الأول : وينتهي بوفاة السفير الرابع من سفراء الإمام المهدي عام 329 .

صفحة (14)

وقد قرنا ، كلا من القسمين بفصل تحليلي لأهم الحوادث والاتجاهات التي كانت سائدة في كل هذين العصرين ... بحسب ما يدلنا عليه التاريخ الإسلامي العام .. بما له من مصادر متوفرة .وهذا الكتاب ... بماله من اتجاه تاريخي ، لا يتكفل الدخول في مجال الجدل العقائدي الذي قد يثيره الكلام عن الإمام المهدي (ع) . كاثبات وجوده وطول عمره وغير ذلك .... إن لم يكن هذا التاريخ بنفسه كافياً لاثبات القطع بتواتر أخبار الإمام المهدي (ع) في الإسلام ... وسيكون لهذا الجدل ، وغيره من البحوث حول الإمام المهدي (ع) مجالات أخرى عسى الله عز وجل أن يوفقنا إلى خوض غمارها في سلسلة من البحوث المقبلة في هذه الموسوعة إن شاء الله تعالى .

المؤلف

صفحة (15)

مقدمة
نقاط الضعف في التاريخ الإسلامي
تمهيد :
إننا حين نريد أن نستوحي تاريخنا الإسلامي الخاص ، نجده بشكل عام ، غامضاً مليئاً بالفجوات والعثرات . يحتاج في تصفيته وترتيبه وأخذ زبدته المصفاة والعبرة المتوخاة إلى جهد كبير وفكر مضاعف جليل .
وهذا يعود إلى عدة أسباب ، لعلنا نستطيع أن نلم ببعض جوانبها المهمة فيما يلي :
الجانب الأول :
ما يرجع إلى واقع التاريخ المعاش آنذاك ... أي أن نفس حوادث التاريخ وتحركات أعلامه ، كان مقتضباً غامضاً مقيداً .

صفحة (19)

وذلك : أن أئمتنا عليهم السلام ، كانوا يمثلون على طول الخط ، دور المعارضة الإسلامية الصامدة ، ضد خطر الجهاز الحاكم الذي يمثل الانحراف عن تعاليم دينهم القويم ، بقليل أو بكثير . فإن الحكم وإن كان قائماً على اسم الإسلام ، ولم يكن الخليفة ليتسنم مركزه الكبير ، إلا باعتباره خليفة الرسول (ص) والخلفاء الراشدين من بعده . إلا أن شخص الخليفة ، إذ لم يكن قد تفهم الإسلام على حقيقته أو تشرب روحه وميزان عدله ؛ فكان يمارس الحكم على مقدار فهمه ، وأفق تفكيره ، مضافاً إلى سيطرة الآخرين على كثير من مراكز الدولة الحساسة ، ممن لا يفضلون على الخليفة نفسه ، بالوعي والروح ، وليسوا في حالة يحسدون عليه من هذه الناحية .
فكان موقف أئمتنا عليهم السلام ، ضد الجهات الحاكمة رأياً وتطبيقاً ، موقفاً حازماً صارماً ، مستمداً من حكمة الله تعالى وقوته وتوفيقه . فكان لهم موقفان أساسيان ، لا ترتاح إليهما الجهات الحاكمة :
الموقف الأول :
مطالبتهم الدائمة ، نظرياً ـ على الأقل ـ بمنصب رئاسة الدولة الإسلامية وتولي الإمامة في الأمة المرحومة ، وقيام كيان الأئمة عليهم السلام في تابعيهم وقواعدهم الشعبية الموسعة ، على ذلك .
فكان هذا مما يهدد الخلافة الأموية والعباسية في الصميم ، ويقض مضاجع الخلفاء ، ويجعلهم حذرين كل الحذر مما يقوم به الأئمة من افعال وما يصدر عنهم من أقوال، ويجعلونهم ، دائماً ، تحت المراقبة والاحتياطات المشددة ، بم يملك الحكم من سيطرة ونفوذ .

صفحة (20)

الموقف الثاني :
مما يرجع إلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ، والاصلاح في أمة جدهم رسول الله (ص) ، نتيجة للظلم والانحراف والحروب المنحرفة والمصالح الشخصية ، التي كانت نافذة المفعول في المجتمع ، والذي خلف ـ في أغلب فترات التاريخ ـ بؤساً اقتصادياً وتخلفاً اجتماعياً مؤسفاً .فكان الأئمة (ع) يحسون بواجبهم ، ويشعرون بمسئوليتهم ، بصفتهم الممثلين الحقيقيين لنبي الإسلام (ص) ، على ما يعتقدون ـ على الأقل ـ تجاه اصلاح وتقويم المعوج في الأمة الإسلامية ، بمقدار إمكانهم والفرص التي كانت تسنح لهم في خلال الأيام .وهم في كل ذلك ، كانوا يتوخون ما تقتضيه المصلحة الإسلامية العليا في ذلك الحين ، بما يواجه المجتمع من مشاكل والدولة من أزمات .فكان موقفهم ، تجاه صراع الدولة الإسلامية ، بما فيها الجهاز الحاكم ، مع الكفر ، ومع الأخطار المحدقة بالمسلمين ، من قبل الأعداء ، مادياً وعقائدياً ، موقف المؤيد للجهات الحاكمة ، تأييداً محترساً مقتضباً ، خشية أن تقع هذه الجهات في الانحراف ، حتى في هذا الحقل نفسه .

صفحة (21)

كان موقفهم ، تجاه المشاكل الداخلية ، للدولة الإسلامية ، تلك المشاكل التي كان يثيرها حكام أو جماعات منحرفة في الداخل ، موقف المراقب والمصلح والناصح . ولم يكن مثل هذا الموقف بسائغ في نظر سائر الحكام من خلفاء ووزراء وقضاة . وكانوا يتقون من ذلك ويحذرونه بعمق ، ويجعلون الاحتياطات المشددة أيضاً ضده فكان هذان الموقفان الإسلاميان من أئمتنا (ع) مثيراً لحقد الجهاز الحاكم عليهم وتحذره منهم ، قولاً وفعلاً ، وبالطبع فإن الأئمة (ع) كانوا يعملون بمقدار الإمكان ، وعند ورود الفرص السانحة ، أخذين بنظر الاعتبار هذا الضغط المتزايد الوارد إليهم والموجه إليهم فكان هذا الضغط موجباً لكفكفة نشاط الأئمة (ع) وقلة اصلاحاتهم وضآلة تاثيرهم ، بالنسبة إلى الحاجات الكبرى للمجتمع .

ومن ثم كان أئمتنا (ع) يقتصرون في غالب نشاطاتهم ، على الدوائر الخاصة من أصحابهم ، وفي حدود ارتفاع الضغط ، أو قلته أو المخاتلة معه ، وكانت تتسع هذه الدائرة ، أو تضمر أو بحسب الظروف التي يمر بها الإمام (ع) وتتناسب كثرتها تناسباً عكسياً مع ضعف الجهاز الحاكم .
فكان إذا ضعفت الخلافة ، وهي جانبها ينفتح أمام الإمام (ع )في ذلك العصر ، فرصة العمل والجهاد والدعوة كما حدث في زمن الإمام الصادق جعفر بن محمد (ع) الذي عاش في عصر تحول الدولة الإسلامية من الخلافة الأموية إلى العباسية .

صفحة (22)

فاشتغل ببث العلوم الإسلامية والتعاليم الالهية على أوسع نطاق. وكان إذا قويت الخلافة أو قوي صنائعها والمنتفعون منها ، فإنه ينغلق أمام الإمام (ع) في ذلك العصر ، فرص العمل والجهاد والدعوة ، إلا في أضيق الحدود .كما حدث في العصر الذي نؤرخه ، حيث سيطرت الموالى وجماعة الأتراك على الحكم ، وجعلوا الأئمة (ع) تحت أشد الرقابة وأعمق الحذر .
والموقف نفسه ، كان هو موقف أصحاب الأئمة (ع) والمجاهدين بين يديهم . فإنهم أن توسع أمامهم (ع) في العمل توسعوا وأن ضيق ضيقوا ، وكان الامام (ع) ينهى أصحابه ، في أوقات الشدة والضيق عن التصريح بما يخالف القانون والسائد والوضع القائم .والإمام (ع) بشخصه ، بصفته الرئيس الفعلي ، لقواعد الشعب الكبيرة ، يكون ـ على كل حال ـ في حصانة جزئية عن التنكيل الفعلي المكشوف من قبل الحاكمين ، لئلا يثيروا عليهم الرأي العام والشعب بأكمله آخذين بنظر الاعتبار ، نظر التقديس والإجلال الذي كان ينظره الناس إلى أئمة الهدي (ع) ، ذلك النظر الذي أجمع المسلمون على صحته وصوابه وإخلاصه ، وإن كان جملة منهم ، لا يؤمنون بامامتهم . ومن ثم كان الإمام في حصانة جزئية من التنكيل الفعلي الصريح وهذا هو الذي كان شأن الأئمة (ع) من الإمام الرضا إلى الإمام العسكري عليهم السلام . مضافاً إلى أن سياسة الخلفاء قامت بالنسبة إلى الإمام الجواد (ع) ومن بعده ، إلى تقريبهم للبلاط ، وإسكانهم في بروج عاجية ، توخياً إلى فصلهم التام عن قواعدهم الشعبية ، ونشاطهم الجهادي ، على ما سيأتي تفصيله .

صفحة (23)

ولئن كان موقف الأئمة ، محصناً من الناحية الشكلية ، إلا أن موقف أصحابهم وتابعيهم ، ومن عرفه الحكام بالولاء لهم ، كانوا يذوقون سوط العذاب ، إلا أن يتقوا منهم تقاة . فكان أقل ما يلاقيه الفرد منهم العزل الاقتصادي والاجتماعي والسياسي .فينتج من ذلك ـ بكل وضوح ـ أمران :
الأمر الأول : ضآلة النشاط السياسي والإجتماعي ، من قبل الأئمة (ع) وأصحابهم ، ذلك النشاط الذي لو كان موجوداً لفتح أفاقاً تاريخية واسعة ، بقيت مطوية وغامضة أمام من يأخذ التاريخ من زاوية موضوعية محضة.
الأمر الثاني :
إن جملة من أعمال الأئمة (ع) وأصحابهم وأقوالهم ، كانت سرية بطبيعتها وأصل ظروف وجودها ، بحيث لم يكن ليتجاوز خبرها الاثنين أو الجماعة القليلة ، وكانوا يتبانون على ستره وكتمانه بأمر من الامام عليه السلام ، ولم يكن مما يكتب على صفحات التاريخ . شأن كل حزب سري معارض ينزل إلى حلبات الجهاد .

صفحة (24)

الجانب الثاني :
ما يرجع إلى معرفتنا بذلك التاريخ ومقدار اطلاعنا عليه وهو الذي يمثل الصورة التي اعطاها المؤرخون في كتبهم عن تلك الفترات وهل هي مطابقة للواقع أم لا ، وبأي مقدار كانت سعة الصورة ودقتها وعمقه ؟ وإلى أي مدى كان فهم المصور المؤرخ واستيعابه للأحداث ، ولما وراءها من فلسفة وعلل ونتائج .
لعل من مستأنف القول ... الخوض في البحث الذي يذكر عادة للطعن في أصل التاريخ وكيفية جمعه وترتيبه ، ويذكر لذلك عدة وجوه.
الوجه الأول :
إن المؤرخ ليس إلا بشراً مثلنا ، له ما لنا من جوانب القوة ، وعليه ما علينا من نقاط الضعف ، والمشاهد بيننا بالوجدان ، بأن قضية ما قد تقع في البلدة مثلاً يشاهدها المئات أو الآلاف ، إلا أننا نسمع من كل فرد شاهد عيان نقلاً لحوادثها يختلف عن نقل الآخر بقليل أو بكثير ، حتى أنه قد يصل الفرق إلى حد التناقض .
هذا في المشاهدين ، فكيف الحال في النقل والرواية ، فإن الحال تزداد سوءاً ، ولا يكاد يبقى للحادثة المروية جسم. ولا روح. هذا في البلد الواحد ، والمشاهدين الكثيرين ، فكيف في بعد الزمان وتفرق المكان وقلة المشاهدين وطول سند الرواية ، كما هو متوفر في كتب التاريخ المتوفرة .

صفحة (25)

الوجه الثاني :
إن المؤرخ ، كأي إنسان ، ليس إلا مزيجاً غريباً من مجموعة من عواطف وغرائز وعقائد ومسبقات ذهنية وعادات حياتية . ولا يمثل العقل والفكر منه إلا بعضها من هذا المزيج ، والمؤرخ وإن كان يتخيل ويفترض أن يكتب تاريخه بعقله وفكره ، إلا أن هذا واضح البطلان .
وإنما هو يكتب تاريخه بمجموعة عواطفه وسائر مرتكزاته ، وبخاصة في الحوادث التاريخية التي تقترن بخلاف بين جماعتين ، أو بعواطف معينة .
الوجه الثالث :
إن هناك نحوين من الملاحظة ، بحسب الاصطلاح العلمي ـ
أولهما :
طريقة الملاحظة المنظمة التي يعتمد الباحث فيها النظر ويتقصى الحقائق حول حادثة معينة أو عدة حوادث حين وقوعها .
ثانيهما :
الملاحظة المشوشة غير القائمة على التنظيم والتعمد ، كالتاجر يذهب إلى بلد معين ليستورد منها البضاعة ، أو السائح يذهب إليه ليشاهده ، وحين يعود ، يسأل عن ذلك البلد ، وعن حقائقه ووقائعه ، في حين أنه قد شاهدها صدفة وأحسب بها إحساس عشوائياً ، ولم يتعمد فهمها ، ولا التفكير فيها على وجه الخصوص .
والتاريخ مدون عادة بالنحو الثاني من الملاحظة . لأن الأشخاص الذين كانوا يعيشون تلك الأزمنة ، إنما عاشوها بصفتها حياة عادية ، لا يعيدون فيها النظر ولا يتعمقون في أسبابها ونتائجها . ثم يأتي الراوي منهم إلى المؤرخ ليعطي له ما علق في ذهنه من هذا الخضم الزاخر الذي عاشه في حياته ، مما قد مر أمامه مروراً عابراً .

صفحة (26)

لا أريد أن أدخل في البحث عن هذه المشكلات ، فإننا ينبغي أن نكون فارغين عن أجوبتها قبل الدخول في البحث التاريخي ، وإلا فالاولى لمن يؤمن بحرفية هذه المشكلات وصدقها ، ألا يحاول قراءة أي حرف من التاريخ .

صفحة (27)

طرق تذليل المشاكل التاريخية :
يقتضي التحقيق التاريخي تذليل هذه المشكلات بأحد الأساليب الآتية :
الأسلوب الأول :
الحصول على التواتر في النقل التاريخي ، فإذا اتفق كلام عدد كبير من الناقلين على وصف حادثة معينة ، كان ذلك كافياً لاثباته تاريخياً ، بل القطع به في كثير من الأحيان .
ولو اتفقوا على بعض خصائص الحادثة ، كان ذلك ثابتاً بالتواتر ، دون ما زاد عليه . ولو اختلفوا في كل الخصائص مع اتفاقهم على أصل الحادثة ، كان اصل حدوثها متواتراً فقط .
الأسلوب الثاني :
إننا إذا لم نستطع أن نحصل على التواتر المنتج للعلم ، فبالإمكان الحصول على الإطمئنان والظن الراجح بحصول الحادثة ناشئاً من جماعة يطمأن بعدم اتفاقهم على الكذب ، وهو معنى الاستفاضة في النقل ؛ فيما إذا اتفق أكثر المؤرخين أو جملة منهم على شيء معين ، مع سكون الباقين عن التعرض إليه أو نفيه .

صفحة (28)

وهذان الأسلوبان ، يدفعان ، فيما يتحققان فيه ، جميع الشبهات الثلاثة التي أوردناها ، إذ بعد حصول العلم أو الاطمئنان بوقوع الحادثة ، لا يضر بذلك ، أن يكون الناقل لهما متحيزاً لمذهب أو لمصلحة أو أن ملاحظته لم تكن منظمة ، إذ المفروض ، اتفاق الناقلين على النقل وعلى وقوع الحادثة .
الأسلوب الثالث :
إننا بعد اليأس عن حصول العلم أو الاطمئنان ، من النقل التاريخي في نفسه ، نستطيع الحصول على الوثوق بقول الناقل ، وإن كان منفرداً ، بحيث لا يبقى للشبهات السابقة أثر ملتفت إليه .
وهذا يتم بأحد نحوين :
أولهما :
الاطمئنان، بعد البحث في ترجمة هذا المؤرخ والاطلاع على خصوصياته الشخصية ، بانه ثقة مأمون عن الكذب والدس والخداع ، فيطمأن بأنه لم يتعمد الكذب في نقله التاريخي .
ثانيهما :
الاطمئنان بوجود الروح العلمية الموضوعية في نفس هذا المؤرخ ، باعتبار أن الإنسان بعد أن يتمرس في البحوث العلمية ، ويتعود على الأسلوب العلمي ، فإنه يغلب على الظن حصول الموضوعية العلمية والتجرد في نفسه، جهد الإمكان.أو على الأقل ، لا يضع خبراً مكذوباً نتيجة لمذهبه أو مصلحته ، أو بأي دافع شخصي آخر.

صفحة (29)

الأسلوب الرابع :
الحصول على الاطمئنان بوقوع الحادثة نفسها ، بقرائن خارجية أو اعتبارات عقلية ، توجب الظن بأنه من المناسب وقوع هذه الحادثة أو عدم وقوعها . كما لو كان القول المنسوب إلى الشخصية التاريخية ، أو الفعل المسند إليه ، مناسباً مع سلوكه العام المعروف عنه ، أو مع وجهة نظره تجاه الدين والحياة .
ولكن هذا لا يضر بوثاقه المؤرخ الناقل ، في سائر ما نقله من أخبار التاريخ ، إذ قد يكون الكذب غير مستند إلى تعمده الشخصي بل هو إما مستند إلى السهو منه إو من الرواة السابقين عليه أو اللاحقين له ، أو إلى عمدهم أحياناً ، ولا يتحمل المؤرخ نفسه ، من المسؤولية العامة ، إلا إذا وجدنا في كلامه الكثير من هذه الهفوات ، بحيث ينثلم الظن بوثاقته أساساً .
كما أن هذا الأسلوب الرابع ، قد يوجب قوة النقل التاريخي الضعيف أو الشاذ ، بحصول الاطمئنان به بما تقوم عليه من قرائن وما تحفه من اعتبارات .
وبهذه الأساليب الأربعة ، نستطيع أن ندفع الشبهات الثلاثة العامة على النقل التاريخي ، أو نقلل من تأثيرها جهد الإمكان . فاحتمال التحيز يرتفع بقليل أو كثير ، مع تعدد النقل وقيام القرائن الخارجية على صدقه ، كما أن احتمال الكذب بدافع شخصي آخر ، يكون مرتفعاً لنفس السبب .

صفحة (30)

كما أننا بعد تأكدنا يقيناً أو اطمئناناً ، من صدق الكلام ، لا يهمنا أن تكون الملاحظة منظمة أو غير منظمة ، على أن المطلوب في الملاحظة ، هو ترسيخ الحادثة في الذهن وتأكيدها في الذاكرة ، وهو ما يتوفر في الملاحظات غير المنظمة أيضاً ، كما في الحوادث التي يعتاد الإنسان عليها أو يهتم بها اهتماماً كبيراً أو يتعجب منها تعجباً شديداً أو يفرح بها فرحاً عظيماً أو يخافها خوفاً كبيراً .
فإن الراوي الذي يعيش الحادثة على إحدى هذه المستويات ، يندمج بها إلى حد كبير ، مما يوجب رسوخها في ذهنه وتعمقها في ذاكرته ، مما يفتح للمؤرخ فرصة كبيرة للاستفادة في هذا السبيل . ويندرج كامثلة لذلك : حوادث الحروب والمناصب السياسية أو الدينية ، والأمور المالية المهمة ، سواء مها الخاصة او العامة ، والمعجزات ، والوساطات بين الدول أو بين أهل النفوذ ، وغير ذلك .
على أننا لا نعدم الملاحظة المنظمة بالنسبة إلى جملة من المؤرخين ، فإن المؤرخ ، وإن كان يعرض للحوادث السابقة على عصره ، بطريق الرواية ، إلا أن بالنسبة إلى سني حياته ، وخاصة بعد عزمه على تأليف كتابه التاريخي، لا شك أنه سيلاحظ حوادث عصره بالملاحظة المنظمة الناشئة من تعمد التسجيل وعمق التفكير . وهذا يتوفر عادة في أواخر جوامع التاريخ ، كالطبري والمسعودي وابن الأثير وغيرهم .

صفحة (31)

وعلى أي حال ، فقد كان التعرض لهذه المشكلات وحلها استطراداً على ما نحن بصدده ، من عرض مشكلات تاريخنا الخاص ، وما هو مورد كلامنا في هذا الكتاب . فلئن كان هناك أساليب تخفف من شبهات التاريخ بشكل عام ، وتؤثر بدروها في تاريخنا الخاص ، إلا أن تاريخنا يستقل بمشاكل وعقبات ، يكون تذليلها أصعب وأعمق إلى حد كبير .
صفحة (32)
مشكلات تاريخنا الخاص :
وتتلخص المشكلة التي نواجهها في حقلنا ، وهو تاريخ الأئمة عليهم السلام وأصحابهم ، أن المؤرخين الذين تعرضوا لهذا التاريخ ، على ثلاثة أقسام :
القسم الأول :
المستشرقون : ومن حذا حذوهم وحاول تقليدهم من الشرقيين المسلمين .
وديدنهم العام على أن ينظروا إلى التاريخ الإسلامي من زوايا خاصة ، تتلخص فيما يلي :
الأولى: الزاوية المادية التي يؤمنون بها إيمانهم بالحضارة الغربية ووجهة نظرها إلى الكون والحياة ، تلك الوجهة التي نتجت بعد عصر النهضة ، وانتجت فصل الدين عن الدولة والكفر بسائر القيم الروحية والأخلاقية .
الثانية : الزاوية المسيحية : التي تفترض سلفاً ، ومن دون إعطاء أي فرصة للمناقشة ، أن الدين الإسلامي باطل ، وأن محمد بن عبد الله صلى الله عليه وآله ليس بنبي ، وأن القرآن ليس كتاباً سماوياً ؛ فضلاً عن أصحابه وخلفائه وائمتنا عليهم السلام . فضلاً عن أفكار غيبية قد نؤمن بها ، كالمعجزات ووجود المهدي ، وغيرها .،

صفحة (33)

الثالثة : الزاوية الاستعمارية ـ فإن جملة منهم عملاء من حيث يعلمون أو لا يعلمون ؛ للدول التي ينتمون إليها أو للحضارة التي يعيشون فيها . فالمستشرق إما مأجور حقيقة أو "عضو شرف" في قائمة الدس والتلفيق ، حيث يشعر بضرورة الانتصار لدولته أو مصالح دينه أو قومه أو لأي شعار من الشعارات المعادية للإسلام .
على أن الأجر المبذول للتبشير الاستعماري المسيحي ، ليس بالقليل ولا الضئيل ، بل هو مما يعد بملايين يسيل لها لعاب كثير من المفكرين وتشتري بها عقول عدد من الباحثين .
ومن ثم لم تصلح كتب المستشرقين لاعطاء الباحث صورة واضحة سليمة عن التاريخ الإسلامي . وإنما غاية الباحث في الإطلاع على ما كتبوه، هو التعرف على ما فيها من النقد والدس والتلفيق ، ومحاولة الجواب عليه، وتذليل ما عرضت فيه من مشكلات .
القسم الثاني :
المؤرخون العامة : من مؤرخي الإسلام غير الشيعة الإمامية أولئك الذين يذكرون تاريخ أئمتنا عليهم السلام ، وهم لا يؤمنون بامامتهم ولا طاعتهم ولا قيادتهم .

صفحة (34)

وهذا القسم من المؤرخين ، هو الذي تؤلف مؤلفاتهم الجزء الأكبر والأهم من التاريخ الإسلامي العام او التراجم أو الحديث التاريخي ، وأقصد به الروايات التي تتضمن حوادث تاريخية معينة . كالطبري وابن الأثير وابو الفداء وابن خلكان وابن الجوزي وابن الوري ؛ وبعض ما تتضمنه الصحاح الستة من الحديث التاريخي .
وأعدل ما يقال بالنسبة إلى تعرض هؤلاء المؤرخين وأمثالهم إلى حياة الأئمة عليهم السلام : أنه تعرض موجز عابر، يكتفي بالحادثة الواحدة والفكرة الشاردة ، ويتجنب بحذر متعمد الخوض في تفاصيل تواريخهم عليهم السلام .
والسبب في ذلك ، فيما أرى ، يعود إلى عدة أمور :
السبب الأول : التعصب المذهبي الذي يتجلى على أشكال متعددة في ذهن مؤرخ وآخر :
الشكل الأول :
عدم الإيمان بقدسية الأئمة عليهم السلام وكمالهم . بل الميل إلى ضد ذلك من الطعن فيهم والتنزيل من شأنهم .
الشكل الثاني :
أن المؤرخ وإن كان يؤمن بقدسيتهم وكمالهم ؛ إلا أن ضيق نظره وضحالة تفكيره ، تقوده إلى الاعتقاد بأن شيعتهم أعداء تقليديين له ولأهل مذهبه ، إذن فمن خطل القول أن يهتم بتمجيد قادة أعدائه وأئمتهم .

صفحة (35)

الشكل الثالث :
أنه وإن كان التعصب على ذهن المؤرخ قليلاً ، باعتبار وعيه الإسلامي الصحيح ، إلا أنه على أي حال مناصر لمذهبه ، يود زيادة مؤيديه ورسوخ عقيدتهم فيه . وهو يحتمل ـ على الأقل ـ أنه أن أسهب في بيان تاريخ أئمتنا (ع) وأطال في ذكر أقوالهم وأفعالهم ، فإنه قد يميل بعض أبناء جلدته اليهم ويجد ما يدعوه إلى الإيمان بإمامتهم وهذا ما لا يريده المؤرخ بأي حال من الأحوال . فهو يترك الإطالة في تاريخهم تمسكاً بمذهبه ومحافظة عليه.
السبب الثاني :
أن تاريخ الأئمة عليهم السلام ، لا يعيش في أذهان هؤلاء المؤرخين إلا قليلاً ، وفي زاوية مهملة من زواياه فإن الذي يستجلب انظارهم ويستقطب اهتمامهم نحوان من الأشخاص :
النحو الأول :الأشخاص السياسيون الذين تسنموا منصباً في الدولة أو داروا في فلك الخلافة أو كانوا أعداء لها وتولوا الحروب ضدها . وبالجملة كل من سلك مسلك الحكم والسلطان .
النحو الثاني :الأشخاص الدينيون والعلماء المسلمون الذين يقتضي مذهب هؤلاء المؤرخين الإيمان بهم والدعوة إليهم . ولم يكن أئمتنا ـ في غالب أمرهم ـ من يندرج في أحد هذين النحوين . إذن فلا يجد المؤرخ حاجة في نفسه إلى ذكرهم بأكثر مما تعرض إليه .

صفحة (36)

السبب الثالث :
ما يعود إلى الجهاز الحاكم المعاصر للمؤرخ .
إنه من المعلوم أن الصدر الأول من المؤرخين العامة ، كالذين سبق أن سميناهم ، كانوا يعيشون في عهود الدولة العباسية ، التي كانت بمسلكها العام معلنة العداء مع مسلك أهل البيت عليهم السلام وعزل أصحابهم عن المسرح الإجتماعي والسياسي بالكلية .
ومن ثم يتخذ المؤرخ ، أحد موقفين :
الموقف الأول :
الحذر من السلطات واتقاء شرها . وذلك بالتجنب عن الخوض فيما لا يحبون وترك التعرض إلى ما يكرهون . وذلك : إما بترك ذكر تاريخ أئمتنا وأصحابهم أساساً ، كأنهم ليسوا أناساً كانوا في الوجود وقدموا إلى البشرية والإسلام أجل الخدمات . وإما أن يذكرهم لكن بأقل القليل ، من الجانب الذي يكون خالياً من الخطر ، بنحو لا يثير على المؤرخ حقداً أو يحرك نحوه عاطفة .
الموقف الثاني :
أن يسير المؤرخ في ركاب الحكام ، يواكبهم في أفكارهم ، ويحاذيهم في أساليبهم ، فينخرط إما أجيراً أو كـ "عضو شرف" في الجهاز الحاكم علماً وفكراً ، إن لم يكن عملاً ونشاطاً . ولا ينبغي السؤال ـ بعد ذلك ـ عن شأن ذكر الأئمة عليهم السلام ، في تاريخه ، وهو بهذه الصفة !

صفحة (37)

وبالرغم من هذه الدواعي الضخمة ، إلى الحذر والاختصار ، في تاريخ أئمتنا عليهم السلام ، فقد فرض هؤلاء القادة أنفسهم على المؤرخين ، وتمثلت جملة من مواقفهم واتجاهاتهم في كلام المؤرخين . إلى حد نستطيع أن نستخلص منه أحد أمرين:
الأول : معرفة مدى رسوخ الذكر الصالح لأئمتنا (ع) في القواعد الشعبية الإسلامية بشكل عام ، وتأكد أعمالهم وعلومهم في أذهان الناس إلى حد كانت المسؤولية الأدبية التي يواجهها المؤرخ في ترك التعرض لتاريخ الأئمة عليهم السلام ، أقوى من ضغط الحكام ومن التعصب المذهبي ، ومن كل سبب رخيص .
الثاني : الاستفادة مما ورد في ما ذكره هؤلاء المؤرخون ، عن أئمتنا (ع) في التعرف على بعض حوادث حياتهم وشيء من علو مقامهم وتأثيرهم السياسي والاجتماعي مما يكون مورد نفع كبير ـ بالرغم من اختصاره ووجود الفجوات الكبرى فيه ـ فيما نعتقده فيهم عليهم السلام ، وما نريد أن نؤرخه من حياتهم .
القسم الثالث :
المؤرخون الإماميون: وهم مؤرخو الأئمة (ع) ، الذين يؤمنون بامامتهم ويعتقدون بقيادتهم ويستضيئون بأفعالهم وأقوالهم . إلا أن الحديث في تواريخهم لا يقل في شجونه عن الحديث في القسمين الأولين ، وإن كانت شجوناً بشكل آخر .

صفحة (38)

فإنه لا يرد عليهم جملة من الاعتراضات التي كانت ترد على أولئك المؤرخين ، والسر في ذلك واضح : وهو أن الأئمة عليهم السلام وتابعيهم ، كانوا ولا زالوا يمثلون الجبهة الواعية المعارضة للجهاز الحاكم على طول التاريخ ، وقد بذلو في هذا السبيل كثيراً من التضحيات فمن غير المحتمل في المؤرخ الإمامي إذا كان مخلصاً غير منحرف ، أن يكون تابعاً للجهاز الحاكم الذي يعاديه ويثور عليه ، أو أن يكون أجيراً له أو "عضو شرف" يعيش على موائده . كما أنه من غير المحتمل أن يهمل ذكر الأئمة (ع) تحت أي ظرف من الظروف ، أو أن يجعل لهم في ذهنه زاوية مهملة أو في تاريخه قسطاً قليلاً ، بعد أن كان يؤمن بهم أئمة وسادة وقادة ومثلاً اسلاميين مبدأيين.
إلا أن الشجون تتمثل عندهم في عدة جوانب :
الجانب الأول : أخذهم بالتقية التي يؤمنون بها ويطبقونها في جوانب حياتهم . فإن الضغط الذي عاشوه ، كان يقلل من نشاطهم ويكفكف من أعمالهم ، ويثير لديهم الحذر والكتمان. فيحملهم على التلميح بدل التصريح والاختصار عوض التطويل .
الجانب الثاني : ما تعرض له المسلمون بشكل عام ، والاماميون بشكل خاص ، من القتل والتشريد على أيدي أشرار خلق الله وأعداء دين الله . وكانت الحروب تنصب فيما تنصب عليه ، على المكتبات الفارهة الزاخرة ، فيضاف إلى إتلاف النفوس إتلاف الكتب ، بالإغراق والإحراق ، لأجل قطع الأجيال المقبلة عن دينها المقدس وعن حديث نبيها وأئمتها وتاريخ أبطالهم ، وفقههم وعقائدهم .
وكانت أرقام الكتب التالفة ، في كل حرب من حروب التتار والمغول والصليبيين ، يرتفع إلى مئات الآلاف ، فكيف بالمجموع ؟!!

صفحة (39)

ومن المعلوم أن تلف هذه الكميات الهائلة من الكتب ، هو في الواقع تلف لكيمات هائلة من الثروة الفكرية الضخمة التي كان المجتمع المسلم زاخراً بها ، من أول ايامه ، ولم يبق منها اليوم إلا القليل .
ومن هنا نحتمل ، بل نستطيع أن نتأكد ، أنه كان لمؤرخي الإمامية وعلمائها ، كلام أكثر ، ونقل أزيد عن أئمتهم ، سواء في الترجمة أو العلم أو العمل أو غير ذلك من جوانب الحياة . وقد تلف ذلك ولم يرد إلينا شيء منه . وقد أصبنا نتيجة لذلك بمحل فكري ، وحصل في تاريخنا الإسلامي فجوات مؤسفة ، من الصعب علينا التأكد مما يملؤها على وجه التحديد.
ولكن النعمة الالهية والحكمة الأزلية ، الثابتة بمقتضى وعد الله تعالى في كتابه الكريم بأن يتم نوره ولو كره المشركون ، اقتضت بأن يبقى من الكتب لسد ما هو الضروري من حاجات العقائد والتاريخ والفقه وغيرها من الميادين الإسلامية.
الجانب الثالث : وهو ما يعود إلى الأسلوب العام الذي مشى عليه مؤرخونا ، في حدود ما وصل إلينا من الكتب السالمة من التلف.

صفحة (40)

ونحن بهذا الصدد نستطيع أن نقسم مؤرخينا إلى قسمين :
القسم الأول :
من سار في أسلوبه التاريخي ، على غرار التاريخ العام الذي مشى عليه الأولون قبلهم . كالمسعودي واليعقوبي فقد ساروا ـ على خلاف اعتقادهم ـ على ترتيب تسلسل الخلفاء الراشدين والأمويين والعباسيين ، واسهبوا في بيان التاريخ السياسي للسلطات الحاكمة ، ولم يعطوا لتاريخ الأئمة إلا القليل ، وإن كان أكثر بقليل من كثير من المؤرخين .
وبذلك حرمنا هؤلاء المؤرخون ، من التاريخ الإمامي العام الذي يشمل سائر جوانب الحياة ، الذي يعطي جانب الأئمة عليهم السلام وأصحابهم من الاهتمام والشرح بقدر ما يعطي الجهاز الحاكم ، ويذكر للجيمع أعمالهم وأقوالهم بتجرد وإخلاص ، ويدع الحكم والتحليل للأجيال المقبلة . ولله في خلقه شؤون.
القسم الثاني :
من سار في تاريخه ، على طريقه سرد الأحاديث والروايات الواردة عن الأئمة أنفسهم ، بالشكل الذي وصلت إليهم على طريقة الرواية المسندة عنهم عليهم السلام .
وهذا الذي ذكره هؤلاء المؤرخون ، أمثال الشيخ الطوسي والشيخ المفيد والطبرسي وابن شهر أشوب ، هو المورد الوحيد الذي أغنانا بثروة مهمة من أخبار الأئمة (ع) وتراجم وأفعالهم وأقوالهم . وهو المصدر الأساسي الذي إذا ركن إليه الباحث ، فإنما يركن إلى تاريخ الأئمة مأخوذاً من تابعيهم وذويهم ، لا من الآخرين الذين لا يعتقدون بهم ، ولا يمتون إليهم في العقيدة بصلة .

صفحة (41)

نقاط الضعف في التاريخ الإمامي الخاص :
وكان هذا الأسلوب الذي اتخذه علماؤنا ومشايخنا ، لا يخلو من عدة نقاط ضعف نستطيع أن نعرضها فيما يلي ، منطلقين من مورد بحثنا ومحل كلامنا .
النقطة الأولى : أن التأكيد كل التأكيد في كتب هؤلاء الأعلام ، والغرض الأساسي لهم ، هو الناحية العقائدية بالخصوص.إذ يبذل المؤلف منهم جهداً كبيراً ويكرس كتابه على إثبات إمامة الأئمة ، وذكر فضائلهم ومعاجزهم، ويغفلون عن تخصيص فصل يذكرون فيه جهاد الأئمة عليهم السلام ونشاطهم الإسلامي ، وما يكتنف استخلاصه عرضاً مما ورد في خلال ما نقوله من المعجزات والفضائل من حوادث التاريخ . وهو الذي استطعنا أن نعتمد عليه في خلال بحوثنا الآتية .
غير أنه من المعلوم ، أن هذه الحوادث تكون أقل عمقاً حين يكون النظر متوجهاً إلى غيرها والتأكيد منصرف إلى سواها ، وهو أمر يثير في النفس أشد الاسف .

صفحة (42)

النقطة الثانية : مجيء هذه التواريخ ، في كلامهم ، مبعثرة مشوشة إذ تحتوي كل رواية على قسم صغير من الحوادث، وقسم كبير من التأكيد العقائدي . مما يحتاج ترتيبه وتبويبه وإرجاعه إلى أصوله ، إلى جهد مضاعف وعمل كبير.
النقطة الثالثة : مجيء هذه التواريخ مهملة ـ في غالبها ـ من المكان والزمان . لا يعلم ـ في حدود ما نقلوه ـ عام حدوثها ولا مكانها ولا مقارناتها من حوادث التاريخ .
ومن ثم اكتنف الغموض أسبابها ونتائجها ، واحتاج في ردها إلى موضعها الطبيعي من عمل جديد وجهد جهيد . مع مقارنتها ببعضها البعض ، وبالتاريخ العام ، كما سنضعه فيما يلي من الحديث .
النقطة الرابعة : التطويل فيما ينبغ فيه الاختصار والاقتضاب فيما ينبغي فيه التطويل . فليس العرض على شكل واحد متساوي الجوانب فقد تحتوي الرواية على وصف مسهب للحياة الشخصية لراو معين مقدمة لفهم كلامه مع الإمام (ع) ، ولكنها لا تكاد تدخل في المجال التاريخي . على حين أنك تجد اقتضاباً مخلاً إذا أردت التعرف على تفاصيل موقف الأئمة عليهم السلام أو أصحابهم أو سفرائهم ، من الحوادث السياسية السائدة في عصورهم ، كثورة صاحب الزنج أو القرامطة ، مثلاً . أو رايهم في تأسيس دولة الأندلس الإسلامية في قلب أوروبا ، ودولة ابن طولون في مصر ، وغيرها من حوادث العصر الذي نؤرخ له.

صفحة (43)

ولن تجد في هذه المصادر إلا إشارات ضئيلة وعبارات قليلة، لا تكفي إلا لتكون فكرة شاحبة ذات فجوات واسعة، عن نشاط الأئمة (ع) ووكلائهم وأصحابهم وقواعدهم الشعبية ، ورأيهم في ذلك .
النقطة الخامسة : هي نقطة اسناد الروايات ، وحال رواتها السابقين على هؤلاء المؤلفين الإعلام ، من الوثاقة والضعف.
فإن هؤلاء الإعلام بذوقهم الموضوعي العلمي ، واتجاههم الموسوعي الذي يرمي إلى حفظ كل حديث وارد والتقاط كل وارد وشارد .... قد جمعوا في كتبهم كل ما وصلهم من الروايات عن الائمة (ع) أو عن اصحابهم ، بغض النظر عن صحتها أوضعفها ، وأوكلوا مسؤولية التدقيق والتمحيص إلى مراجعي الكتاب من الباحثين في الأجيال المقبلة ، وهذا ـ إلى هذا الحد ـ عمل أمين وجليل ، حفظوا فيه التاريخ الإسلامي ، واستحقوا عليه الشكر والثناء .
ولو كان بأيدينا فكرة واضحة مفصلة عن أحوال الرواة لهذه الأحاديث الكثيرة ، لهان الأمر إلى حد كبير ، ولأخذنا بالرواية الموثوقة وأهملنا الرواية الضعيفة ، ولم نعتبرها إثباتاً تاريخياً كافياً ، إلا مع وجود قرائن خاصة تدل على صدقها ومطابقتها للواقع .
إلا أنه من المؤسف القول ، أن أعلامنا الأوائل ، إذا الفوا في علم الرجال وصنفوا في تراجم الرواة ، اقتصروا في ذلك ـ في كل كتبهم ـ على الرجال الرواة للأحاديث الفقهية التشريعية التي تتعرض للأحكام الشرعية ، وأولوها العناية الخاصة بصفتها محل الحاجة بالنسبة إلى إطاعة الأوامر الإسلامية .

صفحة (44)

ولكنهم أهملوا إهمالاً يكاد يكون تاماً ذكر حال الرجال الذين وجدت لهم روايات في حقول أخرى من المعارف الإسلامية ، كالعقائد والتاريخ والملاحم وغيرها . ممن قد يربو عددهم على رواة الروايات الفقهية .
فإن صادف ، من حسن حظ الراوي ، أن روى في التاريخ والفقه معاً ، وجدنا له ذكراً في كتبهم ، أما إذا لم يرو شيئاً في الفقه ، فإنه يكون مجهولاً ، وإن كان من خير خلق الله علماً وعملاً ، كما تدل عليه الروايات بالنسبة إلى عدد منهم .

صفحة (45)

منهجنا في التمحيص :
نستطيع الخروج ، من مأزق جهالة حال الرواة ، بعدة أمور :
أولاً : الأخذ بالروايات الموثوقة سنداً ، أن فرض كون رواتها مذكورين ومنصوص عليهم بالوثاقة .
ثانياً: الأخذ بالروايات المشهورة في طبقة أعلامنا المؤلفين ، أو في الطبقات المتقدمة عليهم ، إذ لعل كثرة روايتها منهم ، دال على اطمئنانهم بوثاقة راويها أو الظن بمطابقتها للواقع . ولعل الشهرة تصل إلى حد تكون بنفسها موجبة للاطمئنان الشخصي بصحة السند وصدق المضمون فتكون بذلك إثباتاً تاريخياً كافياً .
ثالثاً : الأخذ بالروايات التي قام شاهد على صدقها من داخل مضمونها أو بضم قرائن خارجية اليها . كتلك الروايات التي وردت في تاريخنا الخاص ، وتضمنت ذكر بعض الحوادث والحقائق التاريخية العامة ، كالقرامطة أو ابن طولون ، أو بعض الخلفاء العباسيين أو بعض وزرائهم ، أو تاريخاً لحادثة معينة ، مما نجده صادقاً عند مراجعة التاريخ العام فيكون ذلك دليلاً على صدقها وصحتها لا محالة .

صفحة (46)

كما قد نستطع أن نحصل على قرائن من بعضها على البعض ، أو من مناسبتها لمقتضى الحال ، أو نحو ذلك ، على ما سوف يأتي في البحوث الآتية .
رابعاً : الأخذ بالروايات المجردة عن كل ذلك ، إذا كانت خالية عن المعارض ، ولم تقم قرينة على كذبها وعدم مطابقتها للواقع . وكانت إلى جانب ذلك مما يساعدنا في تذليل بعض المشكلات أو الإجابة على بعض الأسئلة المطروحة على بساط التاريخ ، فإننا نضطر إلى الأخذ بها بصفتها المصدر الوحيد للجواب .
ولا يبقى بين أيدينا إلا الروايات التي هناك شاهد على كذبها ، وإلا الروايات المتعارضة التي نشير إليها في النقطة الآتية.
ولا يخفى أن كل ذلك ، إنما هو بالنسبة إلى الحوادث الجزئية التي يحتاج إثباتها التاريخي إلى شاهد . وأما الأمور التي هي من ضروريات مذهبنا ، أو قام عليها التواتر في النقل ، فإننا نعتبر ذلك اثباتاً تاريخياً كافياً . بالرغم من أن ضرورة المذهب لا تكون ملزمة لمن لا يلتزم بالمذهب . إلا أن المراد حيث كان هو التعرض لتاريخ الإمام المهدي (ع) في غيبته الصغرى من تاريخنا الخاص كما نؤمن به وصرح به مؤرخو الإمامية ، صح لنا الاعتماد على مثل هذه القرينة .

صفحة (47)

النقطة السادسة : إن أعلامنا المؤلفين ، بذوقهم الموسوعي واتجاههم إلى حفظ سائر الحديث ، أوردوا بعض الروايات المتعارضة ، كالروايات الورادة في جواب : أن المهدي (ع) ماذا نطق في اول ولادته .
أو الواردة في جواب : أن الشلمغاني هل كان وكيلاً للسفير الثالث للإمام المهدي (ع) أو لم يكن ؟ وغيرها .
والإنصاف إن من العجيب والطريف الموجب للاعجاب والإكبار لهؤلاء المؤلفين الإعلام ، أننا نجد أن تعارض الروايات على هذا الصعيد أقل منه بكثير مما هو في الفقه مثلاً . إذ يعاني الفقيه عناء كبيراً للتوفيق بين المتعارضات وحمل بعضها على بعض ، والتوصل في النتيجة إلى الحكم الشرعي المنشود . أما على هذا الحقل التاريخي ، فالبرغم من وفرة الروايات وجهالة جملة من رواتها ، فالروايات متفقة ومتعاضدة ويندر فيها ما يكون من قبيل المتعارضات إلا أقل القليل .
وعلى أي حال فإننا إذ نكون بحاجة إلى تذليل الصعوبة الناتجة عن التعارض ، لننتفع من نتائج الحل في بحوثنا التاريخية ، لا بد لنا أن نسير على إحدى الخطوات التالية :
أولاً : إذا كانت إحدى الروايتين أصح سنداً أو أشهر نقلاً ، أخذنا بها وطرحنا مدلول الرواية الأخرى ، بمقدار التعارض .
ثانياً : إذا كانت الشواهد والقرائن متوفرة على صدق إحدى الروايتين دون الأخرى ، أخذنا ، بما قام الشاهد على صحته وطرحنا الآخر .

صفحة (48)

ثالثاً : إذا فقدنا المرجحات بين المتعارضين ، اسقطناهما معاً عن قابلية الإثبات التاريخي ، ولم يكن الأخذ بأي منهما . ولكن إلا نقاط يختص بحدود التعارض في المدلول لا محالة ، ولا يعني ـ بمقتضى القواعد ـ إسقاط سائر ما دلت عليه الرواية ، فيؤخذ به ، مع توفر سائر الشرائط فيه .
فهذه هي أهم نقاط الضعف ، في أساليب أعلامنا المؤرخين مع بيان النهج الذي سنحاول السير عليه في بحوثنا الآتية.
ثم أننا سنواكب التاريخ مقتسباً من هذا القسم الأخير من أعلامنا المؤرخين ، لنحظى بعدة فوائد دفعة واحدة :
الفائدة الأولى :
أن نعرف تاريخ الأئمة عليهم السلام وأصحابهم ، من المؤرخين المؤمنين بهم الموالين لهم وصاحب البيت أدرى بالذي فيه .
ومن المحتمل بل المعلوم تسرب بعض الحقائق إلى كتبهم مما حجب عن كتب الآخرين أو تعمدوا إلى تركه. فإن نشاط ألائمة (ع) وعلمهم وأقوالهم ، كانت ـ بلا شك ـ بالنسبة إلى أصحابهم أكثر مما هي بين الآخرين. وقد وصلت إلى أجيالهم المتأخرة دون الآخرين .

صفحة (49)

الفائدة الثانية :
أن نحظى بزيادات كثيرة غير موجودة في كلام غيرهم ، فإن كلام أعلامنا هو المصدر الوحيد لكثير من الحقائق التي تحل لنا المشكلات وتذلل لنا العقبات وتملأ فجوات التاريخ إلى حد كبير ، وهي حقائق أهملها الآخرون عندما اقتضبوا الكلام في هذا الحقل ، من التاريخ الإسلامي ، الدواعي السابقة التي اسلفناها . فلم يكن من الممكن لهذا الحقل أن يكون تاماً وأن تملأ ما به من فجوات ، بتخصيص الاعتماد على كتب أخوتنا أهل السنة ، في التاريخ العام وغيره .
على أننا سوف نعتمد على كتب هؤلاء المفكرين من تعرض لهذا التاريخ ، كابن خلكان وابن الجوزي والخوارزمي وغيرهم . لنستفيد من أقوالهم في تحديد العصر الذي نؤرخه ، وخاصة في ما سقط من كلام أعلام مؤرخينا غفلة أو عمداً .
الفائدة الثالثة :
أننا نقتبس هذا التاريخ من اهله ، واضحاً صافياً خالياً من الدس ونقاط الضعف والخرافات ، بنحو نستطيع به ـ بكل سهولة ـ أن نناقش ما انفتحت به الألسنة من مناقشات وإشكالات ، ونواجه به سائر الباحثين من مسلمين وغير مسلمين، فإن سائر ما قيل ناشيء إما من الجهل بالتاريخ وعدم الرجوع إلى مصادره الحقيقية، وأما من الاعتماد على الروايات الشاذة والظنون الواهية التي لا تستند على أساس .
فإذا عرضنا التاريخ صريحاً واضحاً ممحصاً ، لم يبق أمامنا إشكال ، ولم يرد عليه أي سؤال .

صفحة (50)

وبعد هذه المقدمة ، لا بد لنا من الدخول في تفاصيل التاريخ ، وحيث كنا بصدد عرض تاريخ الإمام المهدي عليه السلام ، في ولادته وغيبته الصغرى . لا بد أن نلتفت إلى الوراء بقليل لنتعرف على تاريخ أبيه وجده عليهما السلام ، لنستطيع ان نلم بوضوح بكل الأسباب التي أدت إلى الحوادث في العصر الذي نؤرخ له .
ومن ثم قسمنا هذا التاريخ إلى قسمين :

صفحة (51)

القسم الأول

تاريخ الإمامين العسكريين
من عام 234هـ إلى عام 260هـ

الفصل الأول
في عصرهما عليهما السلام

لا بد ، لنا ونحن في صدد الكلام عن تاريخ الإمامين العسكريين ، ابتداء من أول سكنى الإمام الهادي عليه السلام ، في سامراء عام 234 هـ حين اشخصه المتوكل إليها ، وانتهاء بوفاة الإمام العسكري عليه السلام 260 هـ لا بد لنا أن نلم المامة كافية ، بالحوادث الجارية في عصرهما والأفكار السائدة فيه ، حتى نكون على بصيرة من أمرنا حين نواجه تاريخ هذين الإمامين عليهما السلام ، ونسمع ما يصدر منهما من أقوال وما يقومان به من أفعال .
وسيكون هذا العرض ـ في واقعه ـ عرضاً لعصره خلافة سامراء ابتداء من العالم المشار إلى قبيل آخره . وسيكون هذا العرض ، تحليلياً، لا تاريخياً صرفاً ، إذ لا معنى لسرد الحوادث بشكل تفصيلي ، مع وجود المصادر الكثيرة للتاريخ العام. وإنما الذي نحن بصدده ، هو إعطاء صورة كافية عن اتجاهات الحوادث وأسبابها ونتائجها ، بشكل تحليلي منظم .

صفحة (55)

وعلى ذلك ، فالذي يظهر أو يستنتج من التاريخ الإسلامي العام :
إن المعتصم بالله العباسي ، حين رأى ازدحام الموالي في جيشه وقواده من الأتراك والمغاربة والفراغنة ، في العاصمة بغداد ، وتعرضهم إلى الأهالي بالاذى وعدم عنايتهم بالسلوك الحميد تجاه الناس (1) ، قرر بناء سامراء ونقل مركز الخلافة اليها ، لنقل هذا الجيش إليها .
وانتقل إليها فعلاً عام 220 للهجرة (2) . واستقل هؤلاء القواد بالعاصمة الجديدة وسيطروا شيئاً فشيئاً على دفة الحوادث ومجريات الامور ، حتى وصلوا إلى السيطرة على مركز الخلافة نفسها ، فأصبحوا يزعجون الخليفة ، ويشغبون عليه تارة ، ويقتلونه أخرى ، ويتحكمون في تنصيب خليفة ، ثالثة . وقد ذاق منهم الخلفاء الثمانية الذين تتابعوا على عرش سامراء الأمرين ، حتى خرج منها المعتمد في عام 279 (3) إلى حيث مات ، واستهل خلفه المعتضد خلافته ببغداد في نفس العام (4) ومن هنا نرى أن سامراء ، كانت عاصمة الخلافة العباسية ، أكثر من نصف قرن أصبحت خلالها زهرة البلدان ودرة التيجان ، لا أجمل ...
ــــــــــــــــــــــــــ
(1) المروج ص 465 جـ 3 والكامل ص 236 جـ 5 وتاريخ سامراء ص 101.
(2) الكامل : نفس الصفحة ، وتاريخ سامراء عن الطبري ص 101 وعن معجم الحموي ص 19.
(3) الكامل ص 73 جـ 6 والعبر جـ 2 ص 24 وتاريخ سامراء ص 221 .
(4) الكامل جـ 6 ص 73 والمروج ض 143 جـ 4 وابن الوردي جـ 1 ص 242 .

صفحة (56)

... ولا أعظم ولا آنس ولا أوسع ملكاً منها(1) ، وأصبح طول البناء فيها أكثر من ثمانية فراسخ (2) . ولكنها اصبحت خراباً بمجرد انتقال الخلافة عنها ، وغاز نبعها دفعة واحدة ، حتى لم يبق منها إلا موضع غيبة الإمام المنتظر المهدي (ع) ، ومحلة أخرى بعيدة عنها يقال لها : كرخ سامراء . وسائر ذلك خراب ، يستوحش الناظر إليه(3).
وقد تعاقب على سامراء من خلفاء بن العباس ، ثمانية ، هم : المعتصم منذ انتقاله إليها عام 227 هـ حيث بويع بعده للواثق حتى عام 232 هـ حيث بويع بعده للمتوكل حتى عام 247 هـ يوم قتله الأتراك بعد ليلة حمراء زاخرة باللهو والشرب(4) فبويع بعده للمنتصر حيث بقي في الخلافة ستة أشهر ويومين(5) . وبايع الأتراك بعده المستعين عام 248 هـ حتى خلع نفسه عام 252 وبايع للمعتز بالله (6) حتى خلعه الأتراك عام 255 ، وبويع للمهتدي بالله حتى قتله الأتراك أيضاً عام 256 هـ . وبويع للمعتمد على الله حتى عام 279 هـ . وبويع بعده للمعتضد بالله في بغداد وبه كانت نهاية العاصمة (سامراء) .
ــــــــــــــــــــــــــــــــــ
(1) تاريخ سامراء ص 56 ، عن الحموي .
(2) نفس المصدر والصفحة .
(3) تاريخ سامراء ص 96 عن الحموي .
(4) الكامل ص 302 جـ 5 . وما بعدها .
(5) المصدر ص 310 وانظر المروج ص 46 جـ 4.
(6) انظر المروج ص 60 جـ 4 .

صفحة (57)

وقد اتصف هذا العصر بعدة خصائص ، يشترك بعضها مع بعض ما سبقه من عصور الخلافة ، ويستقل بالبعض الاخر . فكان جملة ما يلاحظ على هذا العصر من خصائص ، هي :
أولاً : ضعف الخلافة ، وسقوط هيبتها من أعين الناس إلى حد كبير . نتيجة لعدة عوامل ، منها : استيلاء الأتراك على العاصمة ، واستيلاء العمال والأمراء على الأطراف ، وانعزال الخليفة انعزالاً يكاد يكون تاماً عن ممارسة الحكم ، حتى قال المعتمد ، بعد التجربة التي قاساها :
أليس من العجائب أن مثلي يرى م

_________________
<br>
الرجوع الى أعلى الصفحة اذهب الى الأسفل
معاينة صفحة البيانات الشخصي للعضو http://bladalrafedain.lolbb.com
 
كتاب تاريخ الغيبة الصغرى لسماحة آية الله الشهيد محمد صادق الصدر (قدس سره)
الرجوع الى أعلى الصفحة 
صفحة 1 من اصل 1

صلاحيات هذا المنتدى:لاتستطيع الرد على المواضيع في هذا المنتدى
موقع بلاد الرافدين :: المنتديات الأسلامية :: منتدى الكتب الاسلامية-
انتقل الى: